LONdon Art and Architecture Research & Design GROUP


اتصل بنا
التراث
مشاريع وعملاء
المجلة
كتب ومنشورات
المقالات
التصميم الداخلى
العمارة
الفنون والحرف
الرئيسية

 
 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

هوليوود مقابل بوليوود وصناعة "الإجرام" في المدينة!

د. وليد أحمد السيد

باحث وأكاديمي – لندن

sayedw03@yahoo.co.uk

 

 

 

 

 

تتيح المكتبة العامة بمنطقة غرينتش بمدينة لندن حيث أسكن, والمكتبات اللندنية الأخرى عموما, خدمة جديدة منذ العام الماضي تمكّن المشتركين من استعارة فيلم مجانا بعد استعارة ستة كتب. وهذا يتيح للمثقف متابعة مستجدات فن السينما العالمي والذي يصور قصصا من الأدب العالمي بعدسة الكاميرا. وقد أثار انتباهي فيلم "المجرم الأمريكي –American Gangster  " الذي يصوّر قصة حقيقية للإجرام في مدينة نيويورك في الستينيات, ضمن إطار الجريمة الأمريكية وتفردها عالميا بأرقام فلكية في معدلات القتل والدم المسفوح ببرود, وكما صورها "Michael Moore" في فيلمه الوثائقي "Bowling for Columbine", والذي حصد جوائز عديدة حيث يطرح تساؤلا رئيسا هو: لماذا يتعطش الأمريكي للقتل أكثر من غيره في العالم حتى بين نظيره الأوروبي حيث تنحدر أصوله؟ ولا ينتهي الفيلم الوثائقي لإجابة شافية حيث تبلغ حالات القتل في أمريكا أكثر من 12 ألف حالة سنويا مقابل ستين في ألمانيا وعشرات معدودة في بقية دول أوروبا مقارنة بحالة وحيدة في كندا خلال عشر سنوات لا يكاد يتذكرها الكنديون- والتي للمفارقة والسخرية تبين أن مرتكبها هو "أمريكي" فارّ تسلل لكندا!!!

 أحداث فيلم "المجرم الأمريكي" تولّد لدى المشاهد مشاعر القرف والتقزز من فظاعة الأفكار التي تبثها هوليوود فيه! للعديد من الأسباب, منها أن دور "البطولة الرئيسي" يمثل مجرما عاتيا لا يتورع عن عمل أي شيء في سبيل إقامة امبراطورية مخدرات – وهي فكرة غير مسبوقة حيث باتت هوليوود تمجّد اللصوص والمهربين والمجرمين وتخلّد سيرة حياتهم, فيما يلعب دور الشرطي البطولة "الثانية" وهو وضع مقلوب تماما في قصص السينما! فهذا الفيلم يروي سيرة حياة مجرم بنى ثروته من امبراطورية الأفيون على دماء ملايين الضحايا في حي "هارلم" بمدينة نيويورك, وتمزج هوليوود بين الخير والشر بشكل مربك! فبينما يعيش هذا المجرم على تفكيك المجتمع وبؤسه ببث السموم في جسده الناحل, يقوم يوميا بتوزيع طيور الديك الرومي مجانا على فقراءه! لكسب تعاطف المدينة لحمايته كفاعل خير, وهو تصوير لواقع طبقة "طفيلية" منافقة في المجتمعات تظهر عكس ما تبطن, وغالبا ما تتمثل في طبقة السياسيين ومن حولهم من طبقة المثقفين والكتاب الإرتزاقيين الذين انحازوا لمصالحهم لقاء "قطع عظم" تلقى إليهم, تاركين دورهم التاريخي كصمام أمان يمنع مزج الخير والشر بالدفاع عن مصالح الشعب والفقراء. ويثير التقزز أن هذا الزنجي الأسود لا يتورع عن السفر لأدغال تايلاند لبدء شحن تجارته من هذا السم من مزارع جنرال مهزوم أثناء حرب فيتنام تحمي مزارعه ميليشياته, ليكتشف المشاهد أن نجاح هذا العتلّ الزنيم في تجارة الموت التي بثها في أحشاء مدينته يعود لتواطؤ "الجيش الأمريكي" على أعلى المستويات, حيث كان يتم تهريب شحنات الأفيون في أكفان الجنود الأمريكان الموتى في حرب فيتنام وبطائرات حربية أمريكية! كما يفضح الفيلم أن نجاح هذا المجرم في حقن الأفيون بالمدينة كان يعود وبامتياز لتواطؤ "نصف شرطة" نيويورك المرتشين! أكثر المشاهد إثارة للتقزز هما المشهد الإفتتاحي ومشهدا آخر خلال الفيلم, وهما يصوران هذا المجرم البائس كصاحب قلب حديدي لا يرجف له جفن وهو يعدم رجلين بدم بارد وفي وضح النهار. فالمشهد الثاني الأكثر بشاعة, يصوره جالسا في مطعم مع مجموعة من الفتية من أقاربه استقدمهم لمساعدته في تجارته البائدة, ويجلس واعظا مقدما "نظرياته" في الحياة قائلا: إما أن تكون في هذه الحياة شخصا "مهما(!)" أو تكون لا أحد. قبل أن يقع نظره من خلال النافذه على غريم له يقف بالشارع بجوار محل الخضار, لينهض ويخرج طالبا من غريمه من العصابة الأخرى أن يضع نسبة 20 % في كوب يحمله, ليهزأ منه الرجل الآخر فما يكون منه إلا أن يسحب مسدسه ويفجر دماغه ليسقط مضرجا بدمائه في وضح النهار. يعود بعدها هذا المجرم السفاح الذي يلبس بذلة أنيقة ليجلس مع أقاربه في المطعم, المذهولين, ليقول مستطردا وبهدوء: ماذا كنت أقول؟

الطعنة الأخرى لقيم الفضيلة في هذا الفيلم يمثلها شراء هذا الزنجي المجرم لقصر باذخ الثراء لأمه وإحضارها له لتقيم معه من الريف الفقير, ولا تسأله سؤال: من أين لك هذا؟ بل تعبّر له عن مشاعر الحب العميق وفرحتها الغامرة بهذه النقلة الكبيرة في حياتهم! سياق هذه القصة تعيد للأذهان فيلم (Deewaar) من صناعة بوليوود عام 1975 ويعني "الجدار" لرمزية الفصل بين الخير والشر, حيث صنّف كأحد أفضل خمسين فيلما عالميا على مدى تاريخ صناعة السينما العالمية, وكواحد من أفضل 25 فيلما من صناعة بوليوود على مدى تاريخها الطويل وغزارة إنتاجها– فيلمين يوميا! أنظر موسوعة ويكيبيديا http://en.wikipedia.org/wiki/Deewaar_(1975_film)  وبالرغم من أن دور البطولة الرئيسية يلعبه نجم الهند الأول (أميتاب باتشان) ويمثل الأخ الأكبر الذي انحرفت به عجلة الحياة منذ طفولته بسبب اتهام والده الناشط لحقوق العمال بقضية رشوة كان بريئا منها ليهرب من مواجهة الحياة تاركا زوجته وطفليه (أميتاب باتشان وشاشي كابور). وهذا الفيلم يمثل واحدا من أفلام تعد على أصابع اليد والتي قاد بطولتها "باتشان" كمجرم منحرف من أكثر من 170 فيلما مثّلها خلال أربعة عقود, جميعها كانت تنتهي بموته ليغسل بدمه ما اقترفت يداه من آثام وشرور رغم طبيعته ومعدنه الطيب بالقصة, لكن الشرور التي ارتكبها لم تكن لتشفع له انحرافه, وهو ما كرسته بوليوود خلال عقود طويلة في تقرير العلاقة الدقيقة بين الخيرية الفاعلة بالمجتمع وبين الصراع مع الشر ولو كان متدثرا بتبريرات ظلم المجتمع وسببه "الظاهري" في انحراف الفرد والتي لا يمكن أن يخطؤها حتى أبسط المشاهدين إدراكا. ففي قصة فيلم "الجدار" يصور الكاتبان "سليم – جافيد" ببراعة مشاهد الحرمان وبداية انحراف "بتشان" بالفيلم كغلام يافع وهو يرى الظلم الذي تتعرض له أمه وهي تعمل في رفع الأحجار في عمارة تحت البناء مما يولّد لديه شخصية "الفتى الشاب الغاضب" والتي ابتدعها منذ السبعينيات كشخصية مبتدعة في قصص بوليوود مما ساهم في نجوميته الساحقة. لكن هذا الظلم, وما تعرض له ذات يوم حين أمسك به أوغاد الحي وهو غلام ليخطوا بالوشم الذي لا ينمحي على يده عبارة "أبوك لص!" كان تأثيرها في عقله ووجدانه أكبر من أن تمحيه السنون, ليعمل ماسحا للأحذية قبل أن يعتلي عرش الإجرام في مدينة بومباي. ويرصد الكاتبان من خلال أحداث الفيلم المفارقات على جانبي "الجدار" ومظاهر الضعف التي تنتاب البطل صاحب الحق في بعض المشاهد. فالأخ الأصغر (كابور) حين يتخرج بامتياز كشرطي يتعرض لأول اختبار عملي حين يعرض عليه بالمصادفة رئيسه تولي أكبر قضية تهريب وغسيل أموال يشتبه في ضلوع "بتشان" مع عصابات المدينة وأعتى مجرميها ووضعه تحت دائرة الشك, فيرفض تسلم القضية لخوفه من أن تحول عواطفه لأخيه بينه وبين تولي التحقيق بكفاءة, وخاصة أن أخاه الأكبر "بتشان" ضحّى بتعليمه ليعمل حمّالا على رصيف الميناء كي يموّل دراسة "كابور" الذي كان يحب التعليم. لكن حادثة بوليسية صغيرة تتمثل في اشتراك "كابور" الشرطي في مطاردة فتى سرق "شيئا ما" وإطلاق النار على قدميه واعتقاله في الشارع ليكتشف أنه سرق "رغيفا من الخبز" لأهله الجياع تعيد النظر في نظرته للخير والشر في المجتمع. وحين يزور "كابور" ذلك المساء بيت الصبي الذي يرقد في المستشفى وبيده بعض الطعام كهدية لعائلة الصبي السارق إحساسا منه بالذنب لاستخدام الرصاص في إيقافه, يكتشف مدى البؤس الذي تعيشه عائلة الصبي, حيث يسكن والده وهو مدرس شريف مع أمه وأخواته الصغيرات. وبرغم الفقر المدقع إلا أن الوالد المدرّس يأبى إلا أن يدين عمل ابنه, فالسرقة سرقة كبرت أم صغرت – كما يقول الأب, بينما تثور ثائرة الأم وتصيح غاضبة بالشرطي "كابور": لم لا تطلق النار على من قتلوا المجتمع بتهريب المخدرات والممنوعات, بدلا من أن "تتشاطر" على من سرق رغيفا ليطعم أهله الجياع؟ هذه الحادثة تعيد للشرطي المتردد رباطة جأشه وترتيب قناعاته ليقبل بالقضية ويطرح جانبا أوهام العلاقة الشخصية مع أخيه الذي يشتبه بتورطه بدوائر الإجرام والمجرمين.

 في تلك الأثناء, يكون المجرم "بتشان" يعقد صفقة لشراء ناطحة السحاب التي عملت أمه بها في رفع الأحجار أثناء بنائها, ليدفع سعرا مضاعفا لامتلاكها وتقديمها كهدية لأمه وفاء لها. وحين عودته للقصر الذي كان قد استقدم أمه وأخيه الشرطي للسكن فيه معه, يدور مشهد ثلاثي "تاريخي" يجسد قدرة الكاتبين الفائقة في نسج النص العبقري في تقرير "الجدار" الفاصل بين الخير والشر, يمثله الخير, "كابور", والشر الذي يبطّن الطبيعة الخيّرة التي لم تقاوم عوامل الحياة وانعطافاتها, "بتشان", والأم كلاعب مفصلي في المجتمع والأسرة. فبمجرد دخوله لصالون القصر يتسمّر "بتشان" مكانه إذ يرى أمه وأخاه يحدقان به بنظرات الأسى والشك والمرارة. ويتساءل مستغربا من خلف نظاراته الداكنة التي سرعان ما يخلعها عن الأمر, ليجيبه أخوه الشرطي بأنه متهم بتورطه بالتهريب وأن عليه توقيع اعتراف بجرائمه كي يكفّر عنها ويحاسب أمام القانون. وبحوار محكم الكلمات, يذكّر الأخ الأكبر المجرم أخاه الأصغر الشرطي عن الأيام القاسية التي مرت بها الأسرة بعد هروب والدهم وكيف ناموا على رصيف الشارع. لكن ذلك لا يفلح في طلب الشرطي مرة ثانية من أخيه التوقيع على الإعتراف, ليعود المجرم مجددا للإحتماء بمبررات انحرافه: حسنا, سأوقّع, ولكن لست وحدي, سأوقّع بعد الرجل الذي وصم اسم والدنا بالعار, بعد الرجل الذي أهان أمنا, بعد الرجل الذي كتب على يدي "أبوك لص", بعد هؤلاء جميعا سأوقّع! لكن الحق قوي بقوة إيمان أهله به, فيعود الشرطي للقول: أنت مجرم مارق, ومنطقك هذا لا يخفف من وطأة جرائمك في المجتمع, "والجدار" الذي بنيته أنت بعملك السئ يحرّم علي وعلى والدتي أن نعيش في قصرك المنيف الذي بنيته بالمال الحرام! وإذ تستعد الأم للخروج مع ابنها الأصغر الصالح من مملكة ابنها الأكبر المجرم تلقي بكلمات تظل ترن في أذني المجرم طيلة حياته وتقول بأسى لإبنها البكر وهي تعلم كم قاسى مرارة الحياة قبل أن ينحرف: يا بني, مالك حرام ولا يمكنني قبوله, وهذه العمارة الشاهقة التي اشتريتها لي بمال الحرام لا يمكنني قبولها. يا بني, الرجل الذي وصم اسم والدك هو غريب عنا, والرجل الذي ضربني وأهانني وأنت صغير هو غريب عني, والرجل الذي كتب على يدك "أبوك لص" هو غريب عني, لكنك يا بني وأنت من لحمي ودمي كتبت على جبيني "إبنك لص!". هذه المفارقة الصارخة بين قصة "المجرم الأمريكي" الذي يعيش حياة سعيدة وهادئة, مقابل حياة البؤس التي يقودها مجرم فيلم "الجدار" والتي تنتهي به نهاية بائسة وحزينة ومتوقعة لمن سلك طريق الشر, تشكل منعطفا كبيرا في تقديم صناعة "الإجرام" بالمدينة بما يصعب على المشاهد لنمطية أفلام هوليوود وبخاصة حين تمزج بين الفضيلة والشر مزجا يصعب على الكثير تمييزه مع اعتلاء الشخص السئ دور البطولة الأولى وإفلاته من العقاب الذي يستحقه كما في فيلمي "المجرم الأمريكي", و"أمسكني إن استطعت" أو "Catch me if you can!" عام 2003 . وهي نماذج باتت تكرسها هوليوود لتمجيد سيرة مجرمين يحتلون بطولة الأفلام ولا تضعهم خلف القضبان, بل تعمل على تقدير نبوغهم وعبقريتهم في الشر لينتهي بهم المطاف للعمل في مع الشرطة أو الإف بي آي كما في فيلم "أمسكني إن استطعت" الذي صور سيرة حياة نصاب سرق أكثر من 7 ملايين دولار قبل بلوغه سن الثامنة عشرة بتزويره للشيكات بتشجيع من والده!

 وتداعيات "القمامة" الهوليوودية على المدينة الغربية ليست موضع نقاشنا, فهي أوضح من الشمس ولها امتداد تاريخي حافل ضارب في القدم وبامتياز. فهوليوود من خلال نصوص أفلام الإجرام التي تقدمها ما يمكن أن يحفر في ذاكرة الأجيال الفارغة من الشباب على أنها مواعظ وحكم وأقوال, فالمجرم الأمريكي يردد عبارة "إما أن تكون شخصا "مهما" – أي تاجر مخدرات بالفيلم- أو أن تكون لا أحد! هذا مقابل السينما العالمية الكلاسيكية كبوليوود التي التزمت  بخط واضح و"جدار" صارم بين الخير والشر. ولذا فليس من الغريب أن الجرائم والسرقات في الغرب تكاد تكون نسخا مطابقة عن "مغامرات" اللصوص والمجرمين في أفلام هوليوود. فمثلا تمت قبل أيام أكبر سرقة في تاريخ بريطانيا حيث سطا لصان متأنقان وتحت عدسات المراقبة والكاميرا في وسط مدينة لندن على غنيمة بلغت 40 مليون جنيه استرليني من الماس, بما يعيد للأذهان ويحاكي مجموعة أفلام "Ocean 10 - 13" التي أنتجتها هوليوود قبل أعوام يقودها مجموعة لصوص متخصصين في النصب الإلكتروني الذكي والسرقات العصرية شبه المستحيلة. ولذلك فلم تعد جرائم القرصنة الإلكترونية مستغربة في المدينة بما تبثه الأفلام, فضلا عن جرائم المصابين بلوثة عقلية حين يحمل أحدهم رشاشا ويقتحم مدرسة أطفال في أوروبا أو أمريكا والتي تتصدر عناوين الصحف – فكلها تكاد تكون نسخا مطابقة لسموم هوليوود!

  

 لكن مجموعة من الأخبار التي باتت تطالعنا بها الصحف العربية يوميا تشير إلى مدى انعكاس هذه الترهات والقمامات على مجتمعاتنا العربية والمدينة العربية. ومؤخرا تم ضبط كميات كبيرة من الهيروين تصل لأكثر من 140 كيلوغراما في سيارة تحمل رقما يتمتع صاحبه بحصانة نيابية في إحدى الدول العربية. وعدا عن أخبار القتل الجماعي لعائلة واحدة يقوم بتصفيتها الأب المنتحر في مدن كانت توصف ببساطة أنها مدن مجتمعات محافظة, تطالعنا مجموعة من الأخبار التي يجب التوقف عند دلالاتها لارتباطاتها بمشاهد وأفكار "هوليوودية" يبدو أنها باتت تستهوي الشباب الفارغ المفرغ من كل فكرة وعقيدة. فقد ذكرت صحيفة الدستور الأردنية بتاريخ 14 الشهر الجاري أن حدثا لم يبلغ الثامنة عشرة أطلق النار على سائق تاكسي في عقده الخمسين اثناء ركوبه سيارته في مدينة إربد فاخترقت الرصاصة رأسه من الخلف, وبحرارة الروح قام السائق يجري لكنه لم يبتعد سوى خطوات إذ فارقت روحه جسده!

 ما يعنينا تأمله في هذه المشاهد البشعة هو ارتباطاتها الصورية والتصويرية بنماذج "سينمائية" باتت تبث في عقول وقلوب الأغرار من الشباب يتم تطبيقها في لحظات يكون فيها ذلك المجرم أقرب للبهيمية منه إلى استعمال عقله المحدود في عواقب ما سيقدم عليه بعد لحظات. ولا تخفى أهمية ما تبثه هذه القصص التافهة والتي باتت تصوّر المجرمين الأنذال كأصحاب قلوب قوية شجاعة لا يرمش لها طرف لحظة القتل بدم بارد, فضلا عن دس السم بالدسم بتصويرهم كأصحاب قلوب رحيمة يسعون لإحقاق العدل في المجتمعات, وغالبا ما تستحضر هوليوود قصة سخيفة من ماضي هؤلاء السفاحين تبرر انحرافهم وأنهم ضحايا الأب المتسلط أو المجتمع الذي لم يتفهمهم ويرحمهم مما أدى لقيامهم بأخذ عدالتهم من مجتمعاتهم بأيديهم. وهي كلها أفكار بائسة ومغلوطة تخلطها عدسة هوليوود لتصوير حبكة هدفها الأول والأخير هو تحقيق الربح المادي بعد عرض الفيلم وفي أسبوعه الأول!

 والكثير من المشاهد الدموية للأفلام الهوليوودية لا يمكن إلا أن تقرأ ببشاعة وتقزز كيفما نظرت إليها, في سياقها وخارج إطارها سواء بسواء! وهكذا تسهم صناعة السينما الأمريكية في بث سمومها التي تضاهي سموم الأفيون والمخدرات في المجتمعات ولكن من خلال "شرعنتها" بوسائل الإعلام الأمريكية كرافد رئيس للدخل القومي. فصناعة السينما الأمريكية - وعلى حد وصف صديق مخرج في قناة فضائية عربية, هي من الأهمية بمكان في الوعي المؤسسي والحكومي الأمريكي بحيث يمكن أن تقدم أمريكا على حرب عالمية ثالثة لو تم المساس بهذه الصناعة, وليذهب العالم ومثله وقيمه إلى الجحيم!

 

وليد أحمد السيد

لندن في 15 اغسطس 2009

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ثقافة عامة

 

 

 

 


Lonaard Group London 2006 - All rights reserved