LONdon Art and Architecture Research & Design GROUP


اتصل بنا
التراث
مشاريع وعملاء
المجلة
كتب ومنشورات
المقالات
التصميم الداخلى
العمارة
الفنون والحرف
الرئيسية

نهاية القرن الأمريكي

 

د. وليد أحمد السيد - باحث وأكاديمي– لندن

هذا الكتاب يصف العالم كما هو لا ما سيكون عليه! وهو ما يعلنه الكاتب

  في مقدمة كتابه    (Gabriel Kolko)

(World in Crisis – The End of the American Century)

الصادر عن دار (Pluto )بلندن. ويقدم "كولكو"، وهو بروفيسور وناشط وباحث بجامعة يورك بتورنتو بكندا، نظرة شاملة للمشكلات المتفاقمة العديدة التي تواجه الولايات المتحدة الأمريكية والعالم اليوم .  

ويستعرض كل فصل من الكتاب موضوعا ساخنا متعلقا بالعلاقات الدولية منها الأزمة المالية العالمية الحالية ومحدودية السياسة الأمريكية الخارجية و"تسييس" الاستخبارات الأمريكية، كما يقدم أطروحة مهمة في خطورة التصعيد العسكري مع إيران مما سيعمل على تكريس الأزمة وتفاقمها بشكل متفجر إقليميا وعالميا. الكاتب يقدم بعدا جديدا في "محدودية" القوة العسكرية الأمريكية، بل يقدم مرحلة ما بعد "مطها لمرحلة الكسر" في العراق وأفغانستان كعامل مهم في تراجع نفوذ أمريكا في العالم وبزوغ فجر جديد يعلن تغيير موازين القوى العالمية. ويصف نعوم تشومسكي هذا الكتاب الصادر قبل شهرين هذا العام 2009، باحتوائه على أسس وأطر منهجية مهمة في وضع النقاط على حروفها بعمق غير مسبوق.

النظم العالمية الحديثة، وبحسب أطروحة الكتاب، تنهار بسرعة مذهلة.. فالتاريخ الحديث شهد انهيار الشيوعية ودول الاتحاد الاشتراكي، حين كان العدو لأمريكا واضحا. في العقد الأخير ومع ظهور العدو الهلامي - "الإرهاب" العالمي، أضحى التحدي من نوع جديد وغير مسبوق، فهو يضرب في كل مكان. والتهديد النووي أصبح وشيكا مدمرا، "والحكمة" التقليدية والدروس المستفادة من الحرب الباردة أصبحت لا معنى لها، فلم تتكاثر الأخطار فقط بل غابت الأطر المنطقية للتعامل معها أيضا، بما يجعل فهم الواقع اليوم أكثر صعوبة وتحديا. وفي خضم ذلك تتراجع قوة أمريكا – وقرن معاصر من السيطرة على العالم- بشكل لا يمكن إصلاحه. وهو ما يجتهد الكتاب لتقديمه في فصوله.

وبما يشهده العالم من انهيار النظام الرأسمالي، فإنه حاليا لا توجد –برأي الكاتب- فكرة أو نظام بديل جاهز ليحل محلها، لكن آثار انهيارها ستسيطر على العالم لسنوات طويلة. ففي المقابل يعجز أنصار الشيوعية وما تبقى منها عن تقديم حلول، كما يخفق كذلك أنصار الرأسمالية في التنبؤ بما سيحدث للنظام المالي العالمي غدا أو بعد غد، فضلا عن القدرة على ملاحقة التسارع الهائل لانهياره اليوم. وبمراجعة دروس التاريخ في صعود الإمبراطوريات وانهيارها على أنقاض أحلام وردية "بجمهوريات فاضلة"، فقد أصبح هذا قدرا محتوما لأمريكا على المدى المنظور كسابقاتها! وآية ذلك وعنوانه: الكراهية لأمريكا وسياساتها الخارجية التي طالت العالم بأسره. بل لعل القرن الأمريكي انتهى فعلا وبخاصة مع عدم وجود قوة صاعدة تحل محلها حاليا، فالرأسمالية الأمريكية انتحرت نحو هاوية سحيقة، وهي تجر العالم بأسره معها.

وبالرغم من أن الكتاب يقرأ التاريخ الحديث، إلا أنه يستحضر مجموعات من الأفكار التاريخية التي يعتقد "كولكو" أنها جذور التداعيات العالمية اليوم، وتشمل الصراعات الدينية والعرقية والتوسع الاقتصادي غير المحسوب ومفاهيم الوطنية والقومية وقائمة طويلة أخرى. فيرى الكاتب أن الولايات المتحدة الأمريكية ليست وحدها مسؤولة عن هذه الأخطاء المتراكمة عبر العقود من السياسة الدولية "الغبية" تجاه الكثير من القضايا المحورية، لكنه يعتقد أنه وبعد الحرب العالمية الثانية وبزوغ نجم أمريكا كقوة عالمية عظمى كانت أمامها مجموعات من الخيارات الذكية التي لم تتبناها. ولولا ذلك لكان العالم اليوم مكانا مختلفا تماما عما هو عليه الآن. فبكلمات أخرى كانت الولايات المتحدة طرفا محوريا في مشكلات ومآسي العالم بعد العام 1945، وهي اليوم طرفا محوريا أيضا في دماره كلاعب رئيس في السياسة والاقتصاد الدوليين. فمنذ العام 1945 صبت أمريكا الزيت على كثير من نيران "الفتن" الداخلية للكثير من شعوب العالم من خلال أجهزة المخابرات الأمريكية وسياستها الخارجية المتهورة البراغماتية الحمقاء، ولم تفعل ذلك بل عطّلت أيضا الجهود لحل مشكلات دول عديدة على المستويات السياسية والاقتصادية بما يناسب مصالح سيادتها العالمية والإقليمية. وقد تناول "كولكو" في كتب أخرى له بإسهاب هذه الممارسات الأمريكية في دول العالم الثالث بخاصة، من دول أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا والشرق الأوسط وقضية الصراع العربي الإسرائيلي، وتدخلاتها المباشرة في السياسة والاقتصاد لتغيير مجريات التاريخ فيها. وفي مقدمة هذه التدخلات "الحمقاء" يبرز شبح الباكستان وأفغانستان والتي تقض مضجع أمريكا لتحصد ما زرعته استخباراتها عبر عقود. فأمريكا ومعها القوى العالمية، بما فرضته من "حدود غير عادلة" وغير شرعية لدول ودويلات في الشرق الأوسط بتقسيمها بعد 1918 كانت غير مدروسة أيضا وبشكل مجحف بالأمم المحلية ومصالحها ودياناتها وتطلعاتها – كفلسطين خصوصا والإقليم عموما. فهناك "جهل" مدهش للساسة وصانعي القرار الغربيين، ليس فقط أمريكا بل الغرب عموما، في التعامل مع ملف الشرق الأوسط، حيث كانت السياسة الدولية حاسمة في صوغ معادلات النمو وشكل الشرق الأوسط، بعيدا عن عوامل حقيقية تمثلها معادلات القبلية والدين والتاريخ والولاءات القومية والانسجام أو التباين الإقليمي القائم.

وبالرغم من إدراج الكاتب لمناطق الصراع المحترقة اليوم كالعراق وأفغانستان، وإيران كملف ساخن، فضلا عن قضية فلسطين وإقامة دولة يهودية قسرا بين كيانات إسلامية معادية وعلى حساب تشريد شعب، إلا أنه يعد الأوليين – العراق وأفغانستان – كارثتين مدمرتين في تاريخ أمريكا السياسي الحديث، وأنهما ستصبغان ملامح مستقبلها لعقود قادمة أيضا – وهما "علامتا مسافات" فقط على طريق انهيار الإمبراطورية الأمريكية المتسارع. فبغزوها للعراق فتحت أمريكا الباب على مصراعيه لانفلات المنطقة مجددا بما تحويه من تطرف أيديولوجي، يفوق بدرجات ومراحل "الجحيم" الذي فتحته أمريكا على نفسها في الهند الصينية أو البرازيل أو أية منطقة أخرى في العالم "عبثت" بها سابقا. فحجم الفوضى التي خلقتها أمريكا اليوم في العالم الإسلامي غير مسبوق. فتدخلات أمريكا بمخابراتها المركزية في الشرق الأوسط وإيران خصوصا كان مصلحيا براغماتيا بدعم قوى وتيارات أيديولوجية موالية لها على حساب النفوذ البريطاني آنذاك لتقوية مصالحها على منابع النفط.. لكن السحر انقلب على الساحر!

ويفرد الكاتب مساحة مهمة لدور جورج بوش الابن، كأسوأ رئيس أمريكي بلا منازع بسياسيات إدارته الهوجاء، في تقوية الجماعات المتطرفة في المنطقة من خلال "حربه على الإرهاب" التي امتصت الخزانة الأمريكية وجففتها وقضت على اقتصاده. فقد كان لسياساته الغبية انعكاسات مباشرة على الاقتصاد الأمريكي وبامتياز، وقد سببت سياساته الحمقاء في تعزيز انعزالية الجماعات ذات الأيديولوجية الحادة وقادت لتكريس التطرف. فمن العام 2002 حتى العام 2008 نزلت قيمة الدولار أكثر من 60% مقابل قيمة اليورو. كذلك ساهمت المغامرات الفاشلة في العراق وأفغانستان في زيادة الدين القومي الأمريكي ليصل إلى 10 تريليونات (ألف مليار) دولار، معظمها يعود للدول العربية والصين وقائمة من الدول التي كانت أمريكا تعتقد أن بوسعها توجيه أوضاعها الداخلية بدءا من حقوق المرأة وانتهاء بتعليمها دروسا في الأخلاق الحميدة في الديمقراطية والسياسة الداخلية بعيدا عن الدكتاتورية التي تحفل بها هذه الدول. وتبعا لذلك فمعدلات النمو لاقتصاد أمريكا تخلّفت اليوم بمراحل طويلة خلف معظم الدول الصناعية. فالصين لديها اليوم أكثر احتياطي من العملات الأجنبية أكثر من أي دولة على وجه الأرض بقيمة تبلغ تريليون ونصف التريليون دولار بحسب آخر إحصائية عام 2007، مما يعطيها قوة سياسية هائلة تبعا لذلك كقوة عالمية قادمة. ولأن معظم هذا الاحتياطي للصين مستثمر في العملة النقدية للخزانة الأمريكية، فإن "سحبها" يعني يدا طولى للصين في تحديد قرارات أمريكا السياسية اليوم!

وفوق ذلك فإن هناك عجزا متناميا في ميزان الخدمات والبضائع للولايات المتحدة نتيجة اعتمادها الكامل على استهلاك البترول الذي يعتمد بدرجة مذهلة على الاستيراد الخارجي، ناهيك عن اعتمادها على استيراد السيارات والألعاب وحتى الأقمشة المصنوعة في الصين. فمنذ العام 1997، حين كانت أمريكا تعاني عجزا اقتصاديا في بدايته، وحتى العام 2006، تنامى هذا العجز سبعة أضعاف. وفي العام 2006 كان العجز في ميزان البضائع والخدمات يبلغ رقما "أحمق" هو 838 مليار دولار في السالب وضمن الخط الأحمر. وحين قدوم جورج بوش الابن للبيت الأبيض في العام 2001 كان هناك فائض في الفواتير الفيدرالية والديون، وتطلب الأمر مع إدارته الحمقاء سنة واحدة فقط ليغرق الاقتصاد في العجز والذي بحلول العام 2008 وبعد الحربين في أفغانستان والعراق وصل لأكثر من 400 مليار دولار والعداد ما زال "جاريا". فالحرب في العراق كلفت أمريكا أكثر من 3 تريليونات دولار بحسب إقرار لجنة الاقتصاد في مجلس الشيوخ الأمريكي في يونيو 2008. ونتيجة لذلك فقد تصاعد نجم اليورو كعملة احتياط نقدية عالمية بدلا من الدولار الذي بات يفقد 10% من قيمته سنويا بين العام 2002 والعام 2007، ومعه تفقد الولايات المتحدة الأمريكية قوتها وسيطرتها العالمية تدريجيا.

ويتابع "كولكو" سرد تفاصيل عجز الاقتصاد الأمريكي نتيجة السياسات الهوجاء لثماني سنوات من المغامرات التي تلت سني ازدهاره في عهد الرئيس بيل كلينتون. لكنه يسلط الضوء على عوامل الأزمة المالية العالمية والتي نوجزها في هذه المساحة في العولمة وحرية التجارة التي أطلقت يد الرأسمالية والبنوك العالمية في أقاليم فقيرة مع تدخل محدود من الحكومات، والقدرة على جني أرباح خيالية، وفي نفس الوقت خسارات بأرقام فلكية كما حصل في البورصات العالمية مؤخرا. وبتنامي يدي العولمة والرأسمالية العالمية ازدهرت الإمبراطوريات "الفردية" كإمبراطورية ميكروسوفت وغيرها، وتضاعف عدد الأفراد الذين ينتمون لنادي "البليونيرات" في العالم خمسة أضعاف منذ العام 1998! لكن ذلك كان خطيرا حيث أصبحت الرأسمالية غير متزنة برأي الكاتب، حيث تتصل كسلسلة عبر العالم يؤدي انهيار منظومتها في دولة إلى انهيارها كقطع الدومينو في بقية العالم – والتي يصفها "كولكو" بأنها "أسلحة الدمار المالي الشامل".

في أحد فصول الكتاب الأخيرة يبرز الكاتب مثالا على تداعي هيمنة أمريكا على العالم وبداية نهايتها، حيث يناقش أن أمريكا بدأت تفقد قيادتها العلمية منذ السبعينيات كمغناطيس جاذب للعقول، فالحائزون على جوائز نوبل كانوا لاجئين وليسوا مواطنين. واستمرار التكنولوجيا بها كان بفضل لجوء الأغراب لها، لكن – يقول الكاتب- أظن أن غرب أوروبا اليوم تتنافس مع أمريكا في مجالات عديدة في العلم. وقد صرح مستشار البيت الأبيض للشؤون العلمية في العام 1979 بأن تقدم أمريكا العلمي كان دائما مصطنعا! وفي الختام يعرج الكاتب بإسهاب لا تسعه هذه المساحة على مستقبل صراع التكنولوجيا العسكرية، ويستعرض تطور امتلاك السلاح النووي بين روسيا وأمريكا وامتلاك كل منهما لأكثر من 6000 رأس نووي، عدا عن بقية الدول مثل إسرائيل (60 أو 150) رغم نفيها لامتلاكها، والباكستان والهند (حوالي 110)، لكن طبيعة الحروب الأخيرة التي لا تخضع للحروب النظامية المعتادة أثبتت خطأ هذه النظرية في التفوق العسكري حيث أصبحت تعطي اليد العليا والطولى للجماعات الأقرب لـ"العصابات المسلحة" أو الميليشيات المسلحة في مقابل هذه الجيوش النظامية المدججة. ويستعرض بإسهاب تجربة الأخيرة في لبنان وحزب الله مع إسرائيل في صيف عام 2006. ويخلص الكاتب بمجموعات من الأدلة والأمثلة من الواقع المالي والاقتصادي والسياسة الخارجية الأمريكية الطويلة والحروب الفاشلة والحرب التكنولوجية "الفيروسية" أو (cyber warfare) التي قادتها الصين لسنوات والتي تضاهي التفوق الفضائي الأمريكي. جميع هذه العوامل – برأي الكاتب كانت هي المسامير في نعش الإمبراطورية الأمريكية والتي أعلنت انتهاء قرن من هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على عالم سادته قوة أحادية القطب لعدة عقود.

 

 

 

 
 

 


Lonaard Group London 2006 - All rights reserved